ابن حمدون

169

التذكرة الحمدونية

اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم البيضاء ، فخرجت عليها حتى جئت الأراك ، أقول : لعلَّي ألقى بعض الحطَّابة ، أو صاحب لبن ، أو ذا حاجة ، فيأتيهم فيخبر بمكان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ، ليخرجوا إليه . قال : فو اللَّه إني لأسير عليها ألتمس ما خرجت له ، إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما [ يتراجعان ] وأبو سفيان يقول : ما رأيت كالليلة نيرانا قطَّ ولا عسكرا ! قال : فعرفت صوت أبي سفيان فقلت : يا أبا حنظلة ، قال : فعرف صوتي فقال : أبو الفضل ؟ قلت : نعم ، قال : ما وراءك ، فداك أبي وأمّي ؟ ! قلت : ويلك ، هذا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم في الناس ، واصباح قريش ! فقال : ما تأمرني ؟ قلت : تركب عجز هذه البغلة ، فأستأمن لك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ، فو اللَّه لئن ظفر بك ، ليضربنّ عنقك . فردفني ، فخرجت به أركض بغلة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم . فكلما مررت بنيران من نيران المسلمين قالوا : عمّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم على بغلة رسول اللَّه ، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب ، فقال : أبو سفيان ! الحمد للَّه الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد . ثم اشتدّ نحو النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلم ، وركضت البغلة حتى اقتحمت على باب القبّة ، وسبقت عمر بما تسبق به الدابة الرجل البطيء . فدخل عمر على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللَّه ، هذا أبو سفيان قد أمكن اللَّه منه بغير عهد ولا عقد ، فدعني أضرب عنقه ، فقلت : يا رسول اللَّه ، إني قد أجرته ، ثم جلست إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ، فأخذت برأسه وقلت : واللَّه لا يناجيه اليوم أحد دوني . فلما أكثر فيه عمر قلت : مهلا يا عمر ، فو اللَّه ما تصنع هذا إلا أنّه رجل من بني عبد مناف ، ولو كان من بني عديّ بن كعب ما قلت هذا ؛ قال : مهلا يا عباس ! فو اللَّه لإسلامك يوم أسلمت كان أحبّ إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم ؛ فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم : اذهب فقد أمّنّاه حتى تغدو به عليّ . [ قال ] ، قال : فرجعت به إلى منزلي ، فلما أصبح غدا به على عهد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ، فلما رآه قال : ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا اللَّه ؟ قال : بأبي أنت وأمي ، ما أوصلك وأحلمك وأكرمك ! واللَّه لقد ظننت أنّه لو